ملتقى الابداع و التطور
مرحبا بك عزيزي (ة) الزائر (ة) Smile يسعدنا ان تقوم بتسجيل و نشر ابداعاتك ان افكارك هي اساس بناء حياتك .ان كنت مسجلا قم بتسجيل الدخول

ملتقى الابداع و التطور

ابداعك افكارك دائما نحو الامام
 
الرئيسيةالبوابةبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتس .و .جالتسجيلدخول
iبسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
يسرني أن أضع رهن إشارتكم منتدى تحت عنوان: "ملتقى الإبداع و التطور"
لدى لا تبخلوا بإبداعاتكم
شعارنا: "إبداعاتكم هي أساس بناء مستقبل زاهر"
الرابط: http://maroc4ever.ba7r.biz
لاختصار الرابط: http://agdztimes.tk/

ملحوظة:
 المنتدى يحتاج إلى مشرفين و مراقبين لأقسام المنتدى، و كل من أراد ترشيح نفسه فليضع طلبه
 في قسم الترشيح على الرابط
 التالي
: http://maroc4ever.ba7r.biz/f28-montada

(التسجيل مجاني) بعد التسجيل يمكنك تفعيل
 حسابك بالضغط على الرابط الذي ستتزصل به على البريد الالكتروني

 او ان تننظر احد المشرفين ان يقوم بتفعيل حسابك
 على المنتدى
التسجيل


هذه الرسالة تفيد أنك غير مسجل .

و يسعدنا كثيرا انضمامك لنا ...

للتسجيل اضغط هـنـا

التسجيل2

شاطر | 
 

 الثابت والمتغير في الشريعة الاسلامية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أمير المنتدى
نائب المدير
نائب المدير


الساعة الان :
عدد المساهمات : 219
نقاط : 5652
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 22/10/2011
العمر : 23
الموقع : agdz

مُساهمةموضوع: الثابت والمتغير في الشريعة الاسلامية   الجمعة 9 ديسمبر 2011 - 16:13

الثابت والمتغير في الشريعة الاسلامية
في اللغة الثابت: اسم فاعل من ثبت الشيء ثباتا وثبوتا فهو ثابت وثبيت، وثبت، ويقال: ثبت ـ محركة ـ على العدل الضابط وقد يسكن، ويقال ثبت ـ بالتسكين ـ على الكتاب الذي يذكره فيه الأسانيد، والجمع لهما الأثبات.

والثبات فيه معنى الديمومة والاستمرار والملازمة والبقاء زمانين، وفي القرآن: (كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء) (ابراهيم ـ 24)، و(يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) (ابراهيم ـ 27)، وفيه (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (الرعد 29) وفيه (مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة) (البقرة ـ 265) وفيه (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا) (النساء ـ 66).

والمتغير: اسم فاعل من تغير الخماسي، ومعناه تحول، ويقال: غيره إذا جعله غير ما كان وحوله، وبدله، وفي التنزيل (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). (الرعد ـ 11). وفيه (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). (الانفال ـ 53).

والثابت والمتغير اصطلاحان حديثان سريا في كلام أهل الشريعة من قبل الأدباء، حيث تكلموا في الأدب عن الثابت والمتحول، وعبر بعضهم عن ذلك بالثابت والمتغير، وتوسع آخرون ـ في ظل اضطراب المصطلحات في عصرنا ـ إلى التعبير عن ذلك بالاصالة والمعاصرة، وبالقديم والحديث، وبالمطلق والنسبي وبالتراث والحداثة وكل من هذه المصطلحات الثنائية وضعت بإزاء معان مختلفة، بينهما فوارق شتى إلا أن الأمر أصبح فوضى في استعمال المصطلحات بإزاء المفاهيم.

والتقابل بين الحادث والقديم شغل بال الأولين من الفلاسفة وعلماء الكلام، حيث مثلت العلامة بينهما مشكلة كبيرة نتج عنها ـ في محاولة حلها ـ القول بالحلول والاتحاد، والقول بالقدر، والجبر والاختيار والقول بحوادث لا أول لها، والقول بوجود ما لا نهاية له في عالم الموجودات وغيرها من المسائل والمشكلات التي نتجت عن تلك الثنائية، والتي ترشدنا الى وجوب دقة فهم العلاقة التي من هذا النوع.

ومثل تلك العلاقة ما بين الآن من الثابت والمتغير، والأمر لإدراك مثل هذا يتوقف على فهم الطرفين أولا، ثم فهم العلاقة بينهما، فما معنى الثابت في الشريعة؟.

أطلق العلماء على هذا الجانب مرة (الاجماع) ومرة أخرى (المعلوم من الدين بالضرورة) ورأيت أن حقيقة الاجماع الأصولي هي نفسها المعلوم من الدين بالضرورة وهو ذلك القدر الذي يمثل دين الاسلام ويمثل هويته وحقيقته، بحيث لا يتصور إسلام بدونه، وهذا القدر يمكن ـ باطمئنان ـ أن تطلق عليه (الثابت): لأنه يلازم حالة واحدة وصورة واحدة لدى جميع أشخاص الأمة في كل مكان وزمان، وعلى كل حال، وهي الجهات الأربع للتغير كما سنرى.

ولقد اتفق المسلمون على وقوع الاجماع، وعلم المجتهدين به، وصحة نقله للأمة في مساحة ما هو معلوم من الدين بالضرورة، ويسميه الشافعي: إجماع العامة، وذلك كاجماعهم على وجوب الصلاة والزكاة والحج وصيام رمضان (وليس شوالا ولا محرما مثلا) وأن الوضوء شرط للصلاة وأنه قبلها (وليس بعدها كما يمكن أن يوصل إليه التحليل اللغوي للآية) وأن البيع حلال والزواج حلال وأن هناك أحكام للإيلاء، والظهار والطلاق والقصاص والحدود وغير ذلك من مستويات الاجماع حتى يصل الى أن الطواف إنما هو بجبل البيت عن يسار الطائف، وأن البدء يكون بالصفا وأن النبي صلى الله عليه وسلم مدفون في المدينة، وأن القبلة هي الكعبة وأن السرقة والزنا والربا والقتل والعدوان والخمر والخنزير والميتة حرام.

أما إجماع الخاصة ـ وهم المجتهدون ـ فقد وقع النزاع في إمكانه، ثم في صحته، ثم نوعه المقبول، إجماع الصحابة أو إجماع أهل البيت أو إجماع المصريين أو الحرمين، إلى غير ذلك وهذا الاجماع نقول بحجته وأنه واقع ومنقول، وله أحكام ولكن يكثر النزاع في دعواه، حتى قال الأمام احمد: (من ادعى الإجماع فقد كذب)! وعلى ذلك فهو متردد بين الثابت والمتغير تبعا للناظر فيه، فإن صدق بأنه إجماع جعله من الثابت، وإن أنكر جعله من المتغير. والله أعلم.

أ ـ اما التغير في الشريعة الاسلامية فهو: ما كان محل ظن ونظر والظن إدراك الطرف الراجح والنظر ترتيب أمور معلومة للتوصل بها الى مجهول، فهو مكون من مقدمات قد تكون ظنية تحتاج إلى إقامة دليل وبيان جهة دلالته، ومن هنا يمكن مناقشة الدليل، ويمكن مناقشة دلالته على المدلول، وكل ذلك يخرج المسألة من حد الثبات إلى حد التغير.

ومساحة كل النظر في الشريعة قليلة في أصول الأبواب، كثيرة في فروعها فالثابت في جملة الواجبات والمحرمات كبير، ولكن في فروعها المتغير هو الكبير.

فيمكن أن نقول: إن الفروع الخارجة عن الاجماع ـ والتي هي محل نظر وتفكر ـ تمثل جزءا من المتغير.

ب ـ الجزء الثاني يأتي من تغير الأحكام عن الفتاوى، وذلك أن هناك فرقا بين كل من الفقيه والمفتي والقاضي، مبني على الفرق بين الفقة والإفتاء والقضاء.

الفقه هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.

أما الإفتاء فهو: تبين مبهم حاصل في مسألة يراد بيان حكم الشرع فيها، وعلى ذلك فالفقيه يبين حكم الله ـ سبحانه وتعالى ـ من غير بحث عن الواقعة، ولا ما يكتنفها من حوادث.

أما القضاء فهو: إلزام ذي الولاية بحكم شرعي بعد الترافع إليه.

قال ابن تيمية ـ عند سؤاله عن حكم التتار على سبيل الفتوى ـ يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واتفاق أئمة المسلمين، وهذا مبني على أصلين:

أحدهما: المعرفة بحالهم.

والثاني: معرفة حكم الله في مثلهم، وهما عنصرا الفتوى: الواقع ثم حكم الله في مثله.

ويذكر القرافي ـ في كتابه (الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام) ـ السؤال التاسع والثلاثين فيقول.

(اما الصحيح في هذه الأحكام الواقعة في مذهب الشافعي ومالك وغيرهما المرتبة على العوائد، وعرف كان حاصلا حالة جزم العلماء بهذه الأحكام، فهل إذا تغيرت تلك العوائد وصارت العوائد لا تزال على ما كانت عليه أولا فهل تبطل هذه الفتاوى المسطورة في كتب الفقهاء، ويفتى بما تقتضيه العوائد المتجددة، أو يقال: نحن مقلدون وما لنا إحداث شرع لعدم أهليتنا للاجتهاد فنفتي بما في الكتب الفقهاء، المنقولة عن المجتهدين؟).

ثم أجاب عنه فقال: (إن أمر الأحكام ـ التي مدركها العوائد مع تغيير العوائد ـ خلاف الاجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغيير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة وليس تجديدا للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد، ألا ترى أنهم لما جعلوا أن المعاملات إذا أطلق فيها الثمن يحمل على غالب النقود لما، فإذا كانت العادة نقدا معينا حملنا الاطلاق عليه، فاذا انتقلت العادة الى غيره عينا ما انتقلت العادة إليه وألغينا الأول لانتقال العادة عنه، وكذا الاطلاق في الوصايا والأيمان وجميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد، اذا تغيرت العادة تغيرت الأحكام في تلك الأبواب، وكذلك الدعاوى إذا كان القول قول من ادعى شيئا لأنه العادة ثم تغيرت العادة، لم يبق القول قول مدعيه، بل انعكس الحال فيه، بل ولا يشترط تغيير العادة، بل لو خرجنا نحن من تلك البلد الى بلد آخر عوائدهم على خلاف عادة البلد الذي كنا فيه، وكذلك إذا قدم علينا من بلد عادته مضادة للبلد الذي نحن فيه ـ لم نفته الا بعادته دون عادة بلدنا.

من هذا الباب ما روي عن مالك: إذا تنازع الزوجان في قبض الصداق بعد الدخول، وأن القول قول الزوج مع أن الأصل عدم القبض.

قال القاضي إسماعيل: هذه كانت عادتهم بالمدينة أن الرجل لا يدخل بامرأته حتى تقبض جميع صداقها، واليوم عادتهم على خلاف ذلك، فالقول قول المرأة مع يمينها لأجل اختلاف العوائد، إذا تقرر هذا فأنا أذكر من ذلك أحكام نص الأصحاب على أن المدرك فيها العادة وأن مستند الفتيا بهذا إنما هو العادة، والواقع اليوم خلافه، فتعين تغيير الحكم على ما تقتضيه العادة المتجددة، وينبغي أن يعلم أن معنى العادة في اللفظ أن ينقل إطلاق لفظ واستعماله في معنى حتى يصير هو المتبادر من ذلك اللفظ عند الاطلاق مع أن اللغة لا تقتضيه، فهذا هو معنى العادة في اللفظ وهو الحقيقة العرفية وهو المجاز الراجح وهو معنى قول الفقهاء أن العرف يقدم على اللغة عند التعارض، وكل ما يأتي من هذه العبارات).

وقال الشيخ صديق حسن خان ـ في كتابه (ذخر المحتي في أدب المفتي).

(فائدة: لا فرق بين القاضي وغيره في جواز الفتيا بما تجوز الفتيا به، ووجوبها إذا تعينت، ولم يزل السلف والخلف على هذا، فإن منصب الفتيا داخل في ضمن منصب القضاء عند الجمهور، الذين لا يجوزون قضاء الجاهل، فالقاضي مفت ومثبت لما أفتى به، وذهب بعض الفقهاء ـ من أصحاب احمد والإمام الشافعي ـ إلى أنه: يكره للقاضي أن يفتي في مسائل الأحكام المتعلقة به ـ دون الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها ـ فاحتج أرباب هذا القول بأن فتياه تصير كالحكم منه على الخصم، ولا يمكن نقضه وقت المحاكمة، قالوا: ولأنه قد يتغير اجتهاده وقت الحكومة، أو يظهر له قرائن لم تظهر له عند الإفتاء، فإن أصر على فتياه والحكم بموجبها حكم بخلاف ما يعتقد صحته، وإن حكم بخلافها طرق الخصم إلى تهمته والتشنيع عليه بأن الحكم بخلاف ما يعتقد ويفتي به: ولهذا قال شريح: أنا أقضي لكم، ولا أفتي، حكاه ابن المنذر، واختار كراهة الفتوى في الأحكام.. الخ).

والمتأمل في تلك النصوص يجد أنه على الرغم مما بين الفقه والافتاء والقضاء من علاقة قوية إلا أن الفقيه يستنبط أحكام الله من الأدلة التفصيلية، وتلك الأحكام تحقق مقاصد الشريعة.

أما القاضي فإنه يتدخل لتغيير الواقع، ويلزم أطراف النزاع بما عليه حكم الله، وقد تتشابك تلك الوظائف بعضها مع بعض، فيقوم القاضي بدور الفقيه أو المفتي، ويقوم الفقيه بدور المفتي، إلا أنه سيظل هناك فرق بين تلك المعاني، ووظائف القائمين عليه، ويمكن تلخيص ما هنالك فيما يلي.

مثال: الفقيه: يقول إن الخمر حرام: لقوله تعالى (إنما الخمر و الميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه). (المائدة ـ 90).

والمفتي: يقول للمضطر ـ بعد أن عرف حاله، وطبق القاعدة الشرعية بوجوب ارتكاب أخف الضررين ودفع أشد المفسدين: (اشرب الخمر مع حرمتها حتى لا تهلك).

والقاضي: يقيم الحد على من شرب الخمر، ولا يقيمه على المضطر، ويحكم بإراقه الخمر.. الخ.

مثال: الفقيه يبين أن أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم هي الحرب.

والمفتي: يأمر بالهدنة أو الصلح.

والقاضي: يحكم على شخص بعينه ـ إن كان حربيا أو مستأمنا ـ طبقا لما ثبت.

وكتب الفقه ـ على هذا ـ مليئة بالفتاوى، وهناك فتاوى أفردت في كتب مستقلة، وأخذ الأحكام يكون من كتب الفقه ولا يؤخذ من الفتاوى الا بعد التأكد من مشابهة الواقعة المفتى فيها مع الواقع الحادثة الآن، كما تقدم من كلام القرافي. والله أعلم.

وهناك ما يمكن أن تسميه جهات التغير وهي أقسام الاستثناء عند الأصوليين وهي: الأحكام والصفات والأسباب والشروط والموانع والمحال الزمان والمكان والأحوال ومطلق الوجود، وهذه هي الجهات التي قد يحدث فيها تغير فيحدث بذلك تغيرا، وحتى نتمكن من إدراك الواقع الذي هو محل التغير، والذي هو عنصر من عناصر الفتوى وإيقاع النص على الواقع فعلينا إدراك ما يلي.

إن إدراك الواقع يختلف من ناظر إلى ناظر آخر، ولنضرب على ذلك مثلا بما أورده أبو عبيد في (الأموال) في مسألة أهل قبرص، حيث اختلف الأئمة في حكم أهلها لاختلافهم في واقعهم، وننقله هنا مع طوله لأهمية في موضوعنا هذا.

قال أبو عبيد: (ثم كان بعد ذلك حدث من أهل قبرس ـ وهي جزيرة في البحر ـ بين أهل الاسلام والروم، قد كان معاوية صالحهم، وعاهدم على خرج يؤدونه الى المسلمين، وهم ـ مع هذا ـ يؤدون إلى الروم خرجا أيضا، فهم ذمة للفريقين كليهما، فلم يزالوا على ذلك حتى إن كان زمان عبد الملك أن ذلك نكث لعهدهم، والفقهاء، يومئذ متوافرون.

فكتب إلى عدة منهم يشاورهم في محاربتهم، فكان ممن كتب إليه.

الليث بن سعد ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينه وموسى بن أعين وإسماعيل بن عياش ويحي بن حمزة وأبو إسحاق الفزاري ومخلد بن حسين فكلهم أجابه على كتابه.

قال أبو عبيد: فوجدت رسائلهم إليه قد استخرجت من ديوانه فاختصرت منها المعنى الذي أرادوه وقصدوا له، وقد اختلفوا عليه في الرأي إلا أن من أمره بالكف عنهم، والوفاء لهم ـ وإن غدر بعضهم ـ أكثر ممن أشار بالمحاربة، فكان مما كتب إليه الليث بن سعد:

(إن أهل قبرس لم نزل نتهمهم بالغش لأهل الاسلام والمناصحة لأهل الروم، وقد قال الله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) (الأنفال ـ 85) ولم يقل ـ تبارك وتعالى: لا تنبذ إليهم حتى تستبين خيانتهم، وإني لأري أن تنبذ إليهم، ثم ينظروا سنة يأتمرون، فمن أحب منهم اللحاق ببلاد المسلمين ـ على أن يكون ذمة يؤدي الخراج ـ فعل، ومن أراد أن ينتحي إلى الروم فعل، ومن أراد أن يقيم بقبرس على الحرب أقام ، فيقاتلهم المسلمون كما يقاتلون عدوهم، فإن في إنظار سنة قطعا لحجتهم ووفاء بعهدهم).

وكان فيما كتب إليه سفيان بن عيينه:

(إنا لا نعلم النبي صلى الله عليه وسلم ـ عاهد قوما فنقضوا العهد إلا استحل قتلهم، غير أهل مكة، فانه من عليهم، وإنما كان نقضهم الذي استحل به غزوهم، أن قاتل حلفاؤهم من بني بكر حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة، فنصر أهل مكة بني بكر على حلفائه، فاستحل بذلك غزوهم، ونزلت في الذين نقضوا (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا باخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين، قاتلوهم يعذبهم الله يأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين). (14 التوبة) ونزلت فيهم أيضا (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون، الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون، فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون). (الأنفال) وكان فيما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ـ على أهل نجران في صلحه: (إن من أكل منهم ربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة) والذي انتهى إلينا من العلم أن من نقض شيئا مما عوهد عليه، ثم اجمع القوم على نقضه، لا ذمة لهم).

وكان فيما كتب إليه مالك بن أنس:

(إن أمان أهل قبرس كان قديما متظاهرا من الولاة لهم، يرون أن أمانهم وإقراراهم على حالهم ذل وصغار لهم، وقوة للمسلمين عليهم، لما يأخذون من جزيتهم، ويصيبون بهم من الفرصة على عدوهم، ولم أجد أحدا من الولاة نقض صلحهم، ولا أخرجهم من مكانهم، وأنا ارى الا تعجل بنقض عهدهم ومنابذتهم حتى يعذر إليهم، وتؤخذ الحجة عليهم، فإن الله ـ تبارك وتعالى ـ يقول: (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم). (4 التوبة) فإن لم يستقيموا بعد ذلك ـ ويتركوا غشهم، ورأيت أن العذر يأتي من قبلهم ـ أوقعت بهم عند ذلك، وكان بعد الإعذار إليهم، فكان أقوى لك عليهم، وأقرب من النصر لك والخزي لهم إن شاء الله).

وكان فيما كتب اليه موسى بن أعين:

(إنه قد كان يكون مثل هذا فيما خلا، فينظر فيه الولاة، ولم أر أحدا ممن مضى نقض عهد أهل قبرس، ولا غيرها، ولعل جماعتهم لم تمالئ على ما كان من خاصتهم، وإني أرى الوفاء لهم، وإتمام تلك الشروط، وإن كان منهم الذي كان) قال موسى: وقد سمعت الأوزاعي يقول ـ في قوم صالحوا المسلمين، ثم أخبروا المشركين بعودتهم ودلوهم عليها قال: ان كان من أهل الذمة فقد عهده وخرج من ذمته، فإن شاء الوالي قتله وصلبه، وإن كان مصالحا لم يدخل في ذمة نبذ إليهم الوالي على سواء (إن الله لا يحب الخائنين). (الأنفال ـ 58).

وكان فيما كتب إليه إسماعيل بن عياش:

(إن أهل قبرس أذلاء مقهورون، تغلبهم الروم على أنفسهم ونسائهم، فقد يحق علينا أن نمنعهم ونحميهم، وقد كتب حبيب بن مسلمة في عهده وأمانة لأهل أرمينية: إنه أن عرض للمسلمين شغل عنكم، وقهركم عدوكم فإنكم غير مأخوذين، ولا ناقض ذلك عهدكم، بعد أن تفوا للمسلمين، وإني أرى أن يقروا على عهدهم وذمتهم، فإن الوليد بن يزيد قد كان أجلاهم الى الشام، فاستفظع ذلك واستعظمه فقهاء المسلمين، فلما ولي يزيد بن الوليد ردهم الى قبرس، فاستحسن المسلمون ذلك، ورأوه عدلا).

وكان فيما كتب إليه يحيى بن حمزة:

(إن أمر قبرس كأمر عربسوس، فإن فيها قدوة حسنة وسنة متبعة، فإن صارت قبرس لعدو المسلمين الى ما صارت إليه عربسوس ـ فإن تركها على حالها، والصبر على ما كان فيها، لما في ذلك للمسلمين من جزيتها، وما يحتاجون إليه مما فيها أفضل، وإنما كان امانها، وتركها لذلك وليس من أهل عهد يمثل منزلتهم فيما بين المسلمين وبين عدوهم إلا ومثل ذلك يتقي منهم قديما وحديثا، وكل أهل عهد لم يقاتل المسلمون من روائهم وتمضي أحكامهم فيهم ـ فليسوا بذمة ولكنهم أهل فدية، يكف عنهم ما كفوا ويوفى لهم بعهدهم ما وفوا وقبل منهم عفوهم ما ادوا، ولا ينبغي أن يكون ذلك من المسلمين إليهم الا من بعد تقية يتقونها منهم، أو ضعف عن محاربتهم، أو شغل عنهم بغيرهم، وقد روي عن معاذ بن جبل: (إنه كره أن يصالح أحدا من العدو على شيء معلوم، إلا أن يكون المسلمون مقطرون إلى صلحهم، لأنه لا يدري لعلهم يكونون أغنياء أعزاء في صلحهم، ليس عليهم ذلة ولا صغار)

وكان فيما كتب إليه أبو إسحاق، ومخلد بن حسين:

(إنا لم نر شيئا أشبه بأمر قبرس من أمر عرب سوس، وما حكم فيها عمر بن الخطاب ـ ثم ذكر مثل الحديث الذي ذكرناه فيها ـ وقد كان الأوزاعي يحدث أن المسلمين فتحوا قبرس، فتركوا على حالهم، وصالحوهم على أربعة عشر ألف دينار، سبعة آلاف للمسلمين، وسبعة آلاف للروم، على ألا يكتموا المسلمين أمر عدوهم، ولا يكتموا الروم أمر المسلمين، فكان الأوزاعي يقول: ما وفي لنا أهل قبرس قط، وإنا نرى أن هؤلاء القوم أهل عهد، أن صلحهم وقع على شيء فيه شرط لهم، وشرط عليهم، وأن لا يستقيم نقضه الا بأمر يعرف به غدرهم، ونكث عهدهم).

قال أبو عبيد: فأرى أكثرهم قد وكد العهد، ونهى عن محاربتهم حتى يجمعوا جميعا على النكث، وهذا أولى القولين بأن يتبع وألا يؤخذ العوام بجناية الخاصة، إلا أن يكون ذلك بممالأة منهم، ورضى بما صنعت الخاصة، فهناك تحل دماؤهم.

والتغير بالزمان ضبطه العلماء حتى نص واضعو المجلة العدلية ـ في المادة رقم 39 ـ على أنه ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان.

القاعدة الثامنة والثلاثون (المادة رقم 39)

(لا ينكر تغير الأحكام بتنغير الأزمان).

أولا الشرح:

(لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، أي بتغير عرف أهلها وعادتهم، فإذا كان عرفهم وعادتهم يستدعيان حكما ثم تغير إلى عرف وعادة أخرى فإن الحكم يتغير إلى ما يوافق ما انتقل إليه عرفهم وعادتهم، ولذا لم كان لون السواد في زمن الأمام (أبي حنيفة) رضي الله عنه ـ يعد عيبا قال: بأن الغاصب إذا صبغ الثوب أسود يكون قد عيبه، ثم بعد ذلك لما تغير عرف الناس وصاروا يعدونه زيادة قال صاحباه: إنه زيادة.

وكذلك الدور لما كانت تبنى بيوتها على نمط واحد قال المتقدمون ـ غير زفر ـ يكفي لسقوط خيار الرؤية بيت منها، ولما تبدلت الأزمان، وصارت بيت الدور تبنى على كيفيات مختلفة رجح المتأخرون قول زفر من أن لا بد من رؤية البيوت ليسقط الخيار.

وكذلك قال المتقدمون: إن الدائن ليس له استيفاء دينه من مال المديون حال غيبته إلا إذا كان من جنس حقه، وقالوا: على الزوجة أن تتابع زوجها بعد إيفائه لها معجل مهرها حيث أحب، لما كان في زمانهم من انقياد الناس الى الحقوق، ثم لما انتقلت عادة الناس إلى العقوق قال الفقهاء: للدائن استيفاء دينه ولو من غير جنس حقه، وقال المتأخرون: لا تجبر الزوجة على متابعة الزوج إلى غير وطنها الذي نكحها فيه، وإن أوفاها معجل مهرها، لتغير حال الناس الى العقوق.

بل إن ذلك مقرر ومسلم وثابت، وهو سنة الله سبحانه في تشريعه لعباده، فإنه تعالى حين بدأ خلق الانسان وكان الحال ضيقا ـ لقلة عدد الذرية ـ أباح نكاح الأخت لأخيها ووسع في أشيئا كثيرة، وبقي ذلك إلى أن حصل الاتساع، وكثرت الذرية، فحرم ذلك في زمن بني إسرائيل، وحرم السبت والشحوم ولحوم الابل وأمورا كثيرة، وكانت توبة الانسان بقتله نفسه، وإزالة النجاسة بقطعها، إلى غير ذلك من التشديدات، ثم لما جاء آخر الزمن وضعف التمل، وقل الجلد لطف الله سبحانه بعباده وخفف عنهم بإحلال تلك المحرمات ورفع تلك التكليفات وقبول التوبات كل ذلك بحسب اختلاف الأحوال والأزمان، سنة الله الجارية في خلقه.

وقبل تغير الأحكام إحداثها وابتداء سنها بعد أن لم تكن، كما فعل عمر بن عبد العزيز فإنه قال: ستحدث للناس اقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.

ثم إذا ادعى اختلاف الأحوال إلى تغير بعض الأحكام أو إثبات أحكام فلا بد أن تكون تلك الأحكام المسنونة بحال تشهد لها قواعد الشرع بالاعتبار، أو تكون بحال إذا لم تشهد لها بالاعتبار لا تشهد عليها بالابطال، كأن تكون من المصالح المرسلة، وهي التي لم يشهد الشرع باعتبارها ولا بإلغائها، ولوحظ فيها جهة منفعة فإنها يجوز العمل بها، وإن لم يتقدمها نظير في الشرع يشهد باعتبارها، كما وقع لسيدنا الصديق في توليته عهد الخلافة لعمر رضي الله عنهما ـ وكترك الخلافة شورى بين ستة، وكتدوين الدواوين وضرب السكة واتخاذ السجون وغير ذلك كثير مما دعا إلى سنة تغير الأحوال والأزمان ولم يتقدم فيه أمر من الشرع وليس له نظير يلحق من الكتاب.

ولنا نظير هذا كلام أسلفناه في شرح القاعدة الثانية والثلاثين فانظره هناك.

ثانيا: التطبيق:

مما يفرع على القاعدة المذكورة أيضا:

أ ـ أنه لما ندرت العدالة وعزت في هذه الأزمان قالوا بقول شهادة فالامثل، والأقل فجورا فالأقل، (معين الحكام، باب القضاء بشهادة غير العدول، وغيره).

ب ـ وقالوا نظير ذلك في القضاء وغيرهم، إذا لم يوجد الا غير العدول أقمنا اصلحهم وأقلهم فجورا، لئلا تضيع المصالح، وتتعطل الحقوق والأحكام، فقد حسن ما كان قبيحا، واتسع ما كان ضيقا، واختلفت الأحكام باختلاف الأزمان، فإن خيار زماننا هم أراذل أهل العصر الأول، وولاية الأرذال فسوق (معين الحكام، القسم الثالث، قبيل الفصل الثالث في الدعاوي بالتهم والعدوان).

ج ـ وجوزوا تحليف الشهود عند إلحاح الخصم (المادة رقم 1727 من المجلة) وإذا رأى الحاكم ذلك لفساد الزمان (معين الحكام، الفصل الثاني من القسم الثالث في القضاء بالسياسة).

د ـ وجوزوا أيضا احداث أحكام سياسية لقمع الدعار، وأرباب الجرائم عند كثرة فساد الزمان، وأول من فعله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ـ فإنه قال: ستحدث للناس أقضية بقدر ما احدثوا من الفجور.

هـ ـ ومما فرع على القاعدة: منع عمر بن عبدالعزيز عماله عن القتل الا بعد إعلامه وإذنه به بعد أن كان مطلقا لهم: لما رأى من تغير حالهم.

وعلينا أن ندرك أن الواقع قد تغير، وأنه مرت على الأرض الآن ما استوجب عدم تكرار الأمس في اليوم، ولا اليوم في الغد، وذلك أنه من سنة 1830 ـ وهي السنة التي دخل الحديد في السفينة واستطاع الانسان أن يجعل الحديد من الخشب يطوف على سطح الماء، وحتى سنة 1930 اكتشف الانسان واخترع من الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة ما استطاع بها أن يغير الواقع، ثم بعد ذلك لم يخترع شيئا جذريا، بل كل ما فعله هو التوفيق بين المخترعات والاكتشافات حتى أصبح التطور أو التدهور شديدا للغاية، ومع هذه الحالة ظهرت العلوم الاجتماعية والانسانية لتصف هذا الواقع الجديد، ولكنها ـ ويا للأسف! ظهرت وترعرعت في ظل المادية الملحدة او تكاد، حتى غدا من المستحيل فصل مناهجها ونظامها المعرفي عن تلك النظرة المادية التي نحت الله من منظومتها، إما بالاهمال وإما بالالحاد، وكلاها كفر بقضية الانسان الأولى والكبرى.

ونحن من أجل أن ندرك الواقع الجديد يجب أن تكون لدينا أدوات تضاف الى أصول الفقه باعتباره العلم الذي يعد مفتاحا للتعامل مع النص، والعلم الذي فيه دراسة أحوال المجتهد جزء لا يتجزأ منه، والعلم الذي يعد منهاجا للمسلمين، هم الذي صاغوا وأنشأوه من غير مقال سابق.

وجدلية النص والواقع تلقي مزيدا من الضوء على مسألة الثابت والمتغير.

خذ مثلا: مسألة الشخصية الاعتبارية والشخصية الطبيعية وما يترتب على الاختلاف بينهما من آثار، وكيفية تعامل الفقه مع هذه الحالة.

فعلى القاضي أن يتثبت من حدوث الجريمة، ومن قيام المتهم بها بطرق تصل إلى القطع، هذه هي المساحة المشتركة بيننا وبينهم، على ألا نتعدى على حدود الله بالتعطيل، فاتفاق المبادئ الأساسية للأمن والعدالة لا يعني اتفاق الجزئيات عند التطبيق.

هذه نظرة سريعة تجعلنا ندعو المفكرين المسلمين إلى أن يطرحوا قضايا العصر وما يحتاجه الانسان في كل مكان كموضوعات، ثم يكروا عليها من منطق الكتاب والسنة لبيان حالها وحكمها وكيفية التصرف فيها بما يحقق المصلحة الشرعية التي حددها لنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن لا يقعوا في خطأ المصلحة الشرعية التي حددها لنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ـ وأن لا يقعوا في خطأ يدفعهم إليه التعجل، او ضيق الوقت، بأن يلبسوا الحلول الغربية ملابس إسلامية، فيصبح الناتج مضحكا، كطفل لبس ثوب أبيه، فتعثر فيه كلما سار!.

ومن المحكات الأخرى التي تحتاج الى وقفة (مسألة إنزال الأحكام الفقهية على مشكلات المعاملات المعاصرة) مع وجود فرق جوهري قد يؤثر في مصداقية تلك الأحكام.

والحاصل أن الفقه الموروث ـ عند تسجيل ما فيه من احكام فقهية ـ إنما كان يتكلم عن الشخصية الطبيعية واستنبط علماؤنا أحكاما دقيقة حول العقد بصورة كافة، تكفل عدم تطرق الربا أو شبهة الربا أو الغرر إلى العقد، وبذلك تحفظ على المسلم حقوقه، ولا تدخل في مغامرة ومقامرة غير محسوبة تضر به، أو بجماعة المسلمين.

ثم حدث في عصرنا بصورة واضحة شائعة الشخصية الاعبتارية، وهي وإن عرفها المسلمون الأوائل في بيت المال والمسجد والوقف ـ إلا أنهم لم يتوسعوا فيها، ولم يكن لها هذا القدر من الشيوع في صورة المصارف والشركات، ولا في صورة الهيئات والمؤسسات بجميع انواعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

والشخصية الطبيعية تختلف عن الاعتبارية في أمور منها: أن له نفسا يخشى عليها مساوئ الأخلاق، بل يجب أن تتحلى بمكارم الأخلاق، ومنها: أنها تنتهي بالموت، فتنتهي كثير من العلاقات والعقود.. الخ.

والسؤال الآن: هل تختلف الأحكام الشرعية باختلاف الشخصيتين؟ وذلك الاختلاف هل هو في كل الأحكام؟ وما هي الضوابط التي تحكم تحقق مقاصد الشريعة من خلال تطبيق أوامرها؟ والذي يبدو لي ـ وإن كان الأمر يحتاج لكثير من البحث والمناقشة بين علماء المسلمين ـ أن هناك فرقا بين الشخصيتين في كثير من أحكام المعاملات، وأن هذا الفرق يخرجنا من إشكالية كبيرة، فالحاصل الآن ـ في كثير جدا من المواقف ـ أن يستعمل ما قرره الفقهاء من أحكام على الشخصية الطبيعية وننزله على الاعتبارية، فتنتج صورا غريبة أو ساذجة فيقوم الفقيه بلي النص الفقهي الموروث حتى يوافق الواقع الجاري ويعمل في الصور المتعارف عليها في العمل الاث حتى توافق ـ صوريا ـ ما هو في الفقه، فيخرج الفقه والفقيه في صورة المأزوم، ولو فرقنا بين الشخصيتين وحافظنا على الفقه الموروث جميعا وكما هو للشخصية الطبيعية ـ وبحثنا باجتهاد جديد كم أحكام مستنبطة من القرآن والسنة تحققو مقاصد الشرع للشخصية الاعتبارية ـ لخرجنا من ذلك المأزق، ولحفظنا على الفقه الموروث هيبته ووقاره، وهذا يترتب عليه شيء كثير من توقير السلف الصالح الذي كثيرا ما يكون ضابطا مهما للتميز، وعدم الانصهار الحضاري الذميم.

وأيضا فإن بمثل هذا التفكير والتفصيل تظهر فائدة الدعوى الى الاجتهاد ومعناه، دون حاجة الى الوثوب على التراث، ودون حاجة الى دعوى الهدم ثم البناء، بل ستكون الدعوى هي البناء على ذلك الأساس المتين الذي تركه لنا الآباء وعدم اهدار مجهودات علماء مخلصين ذوي خبرة ونظر دقيق لأزمان كبيرة ومدد مديدة.

ولنضرب ـ لما قلنا ـ مثلا فبضرب المثال يتضح المقال:

1ـ اشترط الفقهاء للشركة شروطا تحقق التحديد في النافي للغرر وأضراره، والغرر قد نهى عنه الشرع، ومن هذه الشروط: أن تكون على دراهم أو دنانير مضروربة، واشترطوا في المضاربة أن يوزع بعد أن ينض المال أي يصير في صورة سائلة، أي يتحول من بضاعة الى نقود، ولما كانت المشاركة والمضاربة من الصور التي احتاجها المسلم اليوم نجدهم قد تركوا هذه الشروط وراء هم ظهريا، لأنها لم تعد تصلح لانشاء الشركات الكبيرة التي يحتاجها المجتمع، أو التي تحقق الربح المطلوب تحقيقه، أو التي هي سمة من سمات العصر، وعند القول بالنض بما يسمى بالنض الحكمي، فتركوا أو غيروا وأهملوا أشياء، وكأنه من المسلم اهمالها.

3ـ اجمع الفقها من الأئمة الأربعة على عدم جواز أخذ الأجر على الكفالة، لأنها من باب رفع الضيق عن الصديق، فأخذ الأجر عليها ينافي كونها من عقود التبرعات، وكأنهم يشيرون الى أن الشرع يربي عند الفرد المسلم النخوة والشهامة، وان ذلك ينبغي الا يكون في مقابل مادي، فهل المصرف عند اصداره خطاب ضمان لعميل له شخصية يخشى عليه ان لا يربى على الشهامة ان هو أخذ اجرا على ذلك، الواقع المرئي أمامنا أنه شخصية اعتبارية، وأنه ليس له تلك الأحكام، وعليه يجب أن يكون هناك اجتهاد جديد منطلقه ليس ترك الفقه الموروث، واتهامه بالقصور، وليس أيضا ليه حتى يوافق الواقع، وليس كذلك تشويه المعلاملات حتى تصير أضحوكة بين العالمين، لا تحقق مصلحة، ولا تحقق مقصدا شرعيا مرعيا، بل لا بد أن ينطلق الاجتهاد من وجهة نظر جديدة للواقع ووصفه، تطابق الحق، وتصاغ له الصيغ، ويفهم الكتاب والسنة بفهم السلف، لنستنبط منهما حكما شرعيا سليما من غير هدم للماضي، ولا تشويه للحاضر، ولا افتيات على المستقبل.

لقد ظل الفقة راكدا بلا زيادة عصورا كثيرة، ولم يكن ذلك عيبا ـ في رأيني ـ بل كان لعدم وجود المحادثات الجديدة الجذرية التي شهدها العصر الحديث، ابتداءا من ثورة المواصلات، وحتى اليوم، وما تلا هذا من تغيير في البنية الثقافية والفكرية، ونمط المعيشة اليومي، وكم اختلاط الآراء والمعتقدات الشديد مع سيطرة الفكر الغربي ـ بما فيه من أزمات ومشكلات ـ على اتخاذ القرار السياسي، كل هذا يدعو الى اجتهاد جديد منبثق من تراثنا، بانين ومكملين لا هادمين، وذلك بمنهج ندعوله عسى أن أكون نجحت في تقريبه بما قدمت من أمثلة.



الحواشي:

(1) راجع: المصطلح الأصولي: د. علي جمعة، نشر المعهد العالي للفكر الاسلامي، القاهرة، عام 1996.

(2) وذلك بأن يقال مثلا ،إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم، قمتم: فعل ماض، والفاء للتعقيب، فالغسل المذكور يكون بعد الفراغ من الصلاة، فلا يقبل هذا القيل لخروجه عن الاجماع الذي هو معلوم من الدين بالضرورة.

(3) راجع: شرح الاسنوي على المنهاج، والبيضاوي، ص19، مجلدا، طبعة صبيح، القاهرة.

(4) راجع: دستور العلماء، 3/11 ـ بمعناه ـ طبعة الهند.

(5) ظفر الله صديق خان ص4.

(6) مجموع الفتاوي، 28/510، طبعة الرياض.

(7) انظر: الاحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي، ص67، طبعة عزت العطار.

(Cool طبع الهند، ص55.

(9) راجع: القرافي (الاستناد في الاستثناء)، طيع العراق، ص 580.

(10) انظر: الاموال (لأبي عبيد القاسم بن سلآم) تحقيق

(11) محمد عماره، دار الشروق، الطبعة الأولى، عام 1409هـ، 1989م.

(11) من كتاب شرح القواعد الفقيهة ص 173 ـ 175.

عن مجلة المنار الجديد: العدد السابع: 1999.

الواقعية.. في الفكر والحركة فلسفة السياسة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أمير المنتدى
نائب المدير
نائب المدير


الساعة الان :
عدد المساهمات : 219
نقاط : 5652
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 22/10/2011
العمر : 23
الموقع : agdz

مُساهمةموضوع: رد: الثابت والمتغير في الشريعة الاسلامية   الجمعة 9 ديسمبر 2011 - 16:29

[b]حظ سعيد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الثابت والمتغير في الشريعة الاسلامية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الابداع و التطور :: المنتديات الاسلامية :: المواضيع الاسلامي-
انتقل الى: